لم تعُد الصحة النفسية -بوجه عام- شأناً فردياً، أو ملفاً علاجياً هامشياً، بل غدت مؤشراً إلى جودة الحياة، وصلابة النسيج الاجتماعي، وقدرة المجتمع على الإنتاج والابتكار.
ومع تسارع التحول الرقمي، وتبدّل أنماط العمل والحياة، أصبحت الضغوط النفسية مسألة سياسات عامة لا تُدار بالعيادة وحدها، بل بمنظومة تُوازن بين الوقاية والعلاج، وتربط الرفاهية بالأداء. وينعكس هذا التحول في خفض الغياب والاحتراق الوظيفي، ورفع كفاءة القرار، واستبقاء الكفاءات، وتحسين بيئات التعليم والعمل، بما يعزز التماسك الاجتماعي، وتنافسية الاقتصاد المعرفي.
واستناداً إلى ذلك، وبمنظور الباحث الاجتماعي، الذي يتتبع أثر السياسات في الحياة اليومية، والروابط الأسرية والمجتمعية، يمكن تسليط الضوء على الرفاهية النفسية بصفتها سياسة عامة في دولة الإمارات، انطلاقاً من أن الصحة النفسية لم تعد شأناً فردياً، بل مسؤولية مؤسسية تُقاس بنتائجها.
وفي هذا السياق يبرز التحول الاتحادي حين أُقرّت السياسة الوطنية لتعزيز الصحة النفسية في عام 2017 لتطوير الوقاية والدعم والعلاج، في إطار شراكات استراتيجية وآليات قياس واضحة، ثم جاء القانون الاتحادي رقم (10) لسنة 2023 لينظم الخدمة، ويحمي الحقوق والكرامة وسريّة البيانات، وهو ما يعزز الثقة، ويحد من الوصمة. ومع طفرة التقنية صار الذكاء الاصطناعي رافعةً للوصول مبكراً عبر قنوات أكثر خصوصية تتيح للمستفيد طلب الاستشارة من دون حرج، فتسهل البداية، وتزيد فرص التدخل المبكر. وتُظهر منصات أو خدمات، مثل «استشارتي»، نموذجاً لقياس الضغط، وتوجيه التدخل، كما توسّع منصة «تكلم» الإتاحة والدعم المستمر ضمن حوكمة خصوصية صارمة، وإشراف بشري، وحدود حاكمة للأتمتة والبيانات.
واقتصادياً، لم تعُد الرفاهية النفسية ترفاً، إذ تقدّر منظمة الصحة العالمية خسارة 12 مليار يوم عمل سنويّاً بسبب الاكتئاب والقلق، بتكلفة تقارب تريليون دولار. وفي دولة الإمارات، تدعم الرفاهية النفسية سوق العمل عبر تقليل الغياب، وتحسين جودة القرار، واستبقاء الكفاءات، وتخفيف الضغط على الرعاية الصحية. وتترجم بعض المؤسسات هذا التوجه ببرامج رفاهية متكاملة، مثل «صحتي» في مجموعة الإمارات.
وعلى الصعيد البرلماني، أسهم المجلس الوطني الاتحادي في ترسيخ المسار تشريعاً ورقابة، ففي جلسته الثالثة عشرة من دور الانعقاد العادي الثاني للفصل التشريعي السابع عشر (8 يونيو 2021) ناقش مشروع قانون الصحة النفسية، واستحدث مواد للتظلم والاعتراض، ومنع إفشاء البيانات، ثم ناقش في جلسته التاسعة من دور الانعقاد العادي الثالث للفصل نفسه (19 أبريل 2022) سياسة تعزيز الصحة النفسية، وتبنّى توصيات لدمجها في التعليم والبيئة المجتمعية، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية، وتقليل الوصمة.
وفي المحصلة، لا يتحقق تحويل الرفاهية النفسية إلى سياسة عامة بمنطق القطاع الواحد، بل برؤية تتكامل فيها المدرسة والبيت ومكان العمل والسكن والفضاء الرقمي. والأولوية هي الانتقال من تمويل المبادرات إلى تمويل النتائج، بالاستفادة من نماذج «معاً» القائمة على الدفع مقابل الأثر، مع لوحة مؤشرات وطنية آمنة تُوجّه البرامج الوقائية داخل التعليم والعمل، وآلية تمويل تربط الإنفاق بتحسن مؤشرات قابلة للقياس، لتغدو الرفاهية النفسية رصيداً مستداماً، لا استجابة متأخرة للأزمات.
*باحث رئيسي اجتماعي– الأمانة العامة للمجلس الوطني الاتحادي.


